الياس شوفاني
142
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
اللّه لتحقيق الهدف الأسمى المقدس . » والأكيد أن القسطنطينية تطورت بمسار طويل ، استمر قرونا ، لتصبح « عاصمة عالمية » ، بآلتها الإدارية والعسكرية والمالية وبقانونها الروماني وحضارتها اليونانية وبتجارتها المسيطر عليها تماما ونشاطها الفكري الثقافي . لكن قسطنطين الكبير هو صاحب الفضل الأول في وضع حجر الأساس لهذه الظاهرة الفريدة . فهو الذي اختار الموقع ، بناء على تقدير حصيف للواقع الذي وصلت إليه الإمبراطورية الرومانية ، بأطرافها المترامية . لقد راهن على الشطر الشرقي منها ، وكسب . كما رأى أن المستقبل للمسيحية في مواجهة الوثنية الرومانية ، وذلك بقراءة ثاقبة للتطورات على هذا الصعيد بين قطاعات السكان ، وكان مصيبا . وباعترافه الرسمي بها بعد اعتناقه لها شخصيا ، تقدمت المسيحية ، بفعل ذاتي نشط ودؤوب ، لتصبح عمليا الديانة السائدة في الإمبراطورية ، وتجعل من بيزنطة إمبراطورية مسيحية « أورثوذكسية » . وشكّل الاعتراف بالمسيحية قطعا مع الماضي في الإمبراطورية الرومانية ، على الأقل في جزئها الشرقي . والمسيحية التي عانت من الاضطهاد لفترة طويلة ، انتقلت إلى الموقع المتميز ، الأمر الذي لم يكن ممكنا إلّا بتضافر العوامل المتعددة التي أدّت إليه ، في ظروف الزمان والمكان . لقد دخلت الإمبراطورية في مرحلة جديدة ، سمتها العامة التناقض مع الماضي ، حتى الذاتي . فالماضي ، على الأقل من الناحية الدينية ، لم يعد يسد الحاجات القومية ، إذ برزت حاجات ورغبات جديدة ، كانت المسيحية فقط قادرة على تلبيتها في حينها . والإمبراطور ، الذي أصبح حامي « العقيدة الأورثوذكسية » ، طلب من رعاياه الولاء ، سياسيا ودينيا ، بينما المسيحية هي أساس الوحدة ، التي تتخطى الحدود الجغرافية والخلافات القومية والعرقية . أمّا قسطنطين ، فقد طرح نفسه الشخص الذي اختارته العناية الإلهية ليجمع الشعوب كلها تحت حكم المسيح ، في إطار كنيسته الأورثوذكسية . ولد قسطنطين في مدينة نايسوس ( نيش ) في مقدونيا . وهو ابن قائد عسكري ، وأمه هيلينا ( القديسة ) ، كانت مسيحية ، وقامت بالحج إلى فلسطين ، وبحسب الرواية عثرت على « صليب المسيح » الحقيقي . وكان قسطنطين في جيش والده ، في بريطانيا ، عندما مات ، فنصبه جنود أبيه قائدا لهم . إلّا إنه كان عليه أن يخوض معارك مع منافسيه ليثبت موقعه . وفي هذه المعارك ، كما تورد الروايات ، قاتل تحت راية الصليب ، بناء على رؤيا ظهرت له في نومه ، فاعتنق المسيحية ( 312 م ) بعد النصر . والحدثان المهمان في حكم قسطنطين ، وخصوصا بالنسبة إلى التاريخ اللاحق ، هما : بناء القسطنطينية وجعلها عاصمة الإمبراطورية الرومانية بدلا من روما ؛ وتبني المسيحية